الشيخ السبحاني

123

رسائل ومقالات

وقد شيع عمر قرظة بن كعب الأنصاري ومن معه إلى « صرار » على ثلاثة أميال من المدينة ، وأظهر لهم أنّ مشايعته لهم إنّما كانت لأجل الوصية بهذا الأمر ، وقال لهم ذلك القول . قال قرظة بن كعب الأنصاري : أردنا الكوفة ، فشيّعنا عمر إلى « صرار » فتوضأ فغسل مرتين ، وقال : تدرون لم شيعتكم ؟ فقلنا : نعم ، نحن أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل ، فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم ، جرّدوا القرآن ، وأقلّوا الرواية عن رسول اللَّه ، وامضوا وأنا شريككم . « 1 » وقد حفظ التاريخ أنّ الخليفة قال لأبي ذر ، وعبد اللَّه بن مسعود ، وأبي الدرداء : ما هذا الحديث الذي تفشون عن محمّد ؟ ! « 2 » وذكر الخطيب في « تقييد العلم » عن القاسم بن محمد : أنّ عمر بن الخطاب بلغه أنّ في أيدي الناس كتباً ، فاستنكرها وكرهها ، وقال : أيّها الناس إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب ، فأحبها إلى اللَّه ، أعدلها وأقومها ، فلا يبقين أحد عنده كتاب إلّا أتاني به فأرى فيه رأيي . قال : فظنوا أنّه يريد ينظر فيها ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف ، فأتوه بكتبهم ، فأحرقها بالنار ثمّ قال : أمنية كأمنية أهل الكتاب . « 3 » وقد صار عمل الخليفتين سنّة ، فمشى عثمان مشيهما ، ولكن بصورة محدودة وقال على المنبر : لا يحلّ لأحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر . « 4 » كما أنّ معاوية اتّبع طريقة الخلفاء الثلاث فخطب وقال : يا ناس أقلّوا الرواية عن رسول اللَّه ، وإن كنتم تتحدّثون فتحدّثوا بما كان يتحدّث به في عهد عمر . « 5 » حتّى أنّ عبيد اللَّه بن زياد عامل يزيد بن معاوية على الكوفة ، نهى زيد بن أرقم الصحابي عن التحدّث بأحاديث رسول اللَّه . « 6 »

--> ( 1 ) . طبقات ابن سعد : 6 / 7 ؛ المستدرك للحاكم : 1 / 102 . ( 2 ) . كنز العمال : 10 / 293 ح 29479 . ( 3 ) . تقييد العلم 520 . ( 4 ) . كنز العمال : 10 / 295 ، ح 29490 . ( 5 ) . كنز العمال : 10 / 291 ، ح 29473 . ( 6 ) . فرقة السلفية ، ص 14 ، نقلًا عن مسند الإمام أحمد .